بين متطلبات الاعتماد ورحلة التميز المؤسسي، يبقى الفارق الحقيقي في بناء ثقافة جودة تعيش داخل المؤسسة، لا في ملفات تُعد قبل الزيارات.
في عالم يشهد تغيرات متسارعة في التعليم العالي، لم تعد الجودة مفهومًا يرتبط بالحصول على الاعتماد أو استيفاء مجموعة من المعايير والإجراءات فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية لبناء مؤسسات تعليمية قادرة على التطور والابتكار وتحقيق التميز المستدام. فالمؤسسات التي تنظر إلى الجودة باعتبارها مشروعًا مؤقتًا ينتهي بالحصول على شهادة الاعتماد قد تنجح في اجتياز مرحلة التقييم، لكنها قد تخسر فرصتها الحقيقية في بناء منظومة تطوير مستمرة.
ومن هنا، يبرز مفهوم ثقافة الجودة باعتباره أحد أهم المفاهيم الحديثة في إدارة مؤسسات التعليم العالي، إذ لا تُقاس الجودة بعدد الملفات التي أُعدت، ولا بعدد الاجتماعات التي عُقدت، وإنما بمدى حضورها في تفاصيل العمل اليومي، وفي القرارات، والممارسات، والعلاقات، وطريقة التفكير داخل المؤسسة.
“قد تُنجز الأوراق متطلبات الاعتماد، لكن الثقافة وحدها هي التي تصنع مؤسسة تتطور كل يوم.”
الجودة… عندما تتحول من إجراءات إلى ثقافة
تؤكد الأدبيات الحديثة في مجال ضمان جودة التعليم العالي أن الجودة ليست هدفًا مؤقتًا، بل عملية مستمرة تهدف إلى التحسين والتطوير، وتشير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى أن ضمان الجودة يسهم في الحفاظ على المعايير الأكاديمية، وتعزيز ثقة المجتمع في مؤسسات التعليم العالي، ودعم قدرتها على الاستجابة للتغيرات المتسارعة.
وعندما تتحول الجودة إلى ثقافة مؤسسية، فإنها تنعكس على جميع جوانب العمل؛ من التخطيط الاستراتيجي، إلى تطوير البرامج الأكاديمية، وأساليب التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، وصولًا إلى آليات اتخاذ القرار، عندها، تصبح الجودة مسؤولية الجميع، وليست مهمة إدارة أو وحدة بعينها.
لماذا تختزل بعض المؤسسات الجودة في الأوراق؟
رغم التطور الكبير الذي شهده مفهوم الجودة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال بعض المؤسسات تربط الجودة بفترة تسبق زيارة الاعتماد، فتتركز الجهود على إعداد الوثائق واستكمال النماذج، بينما يغيب الاهتمام بتغيير الممارسات اليومية.
ولا تكمن المشكلة في الوثائق ذاتها، فهي جزء مهم من منظومة الجودة، وإنما في الاعتقاد بأنها تمثل الجودة بالكامل، فالوثائق توثق ما تقوم به المؤسسة، لكنها لا تصنع الجودة إذا لم تكن انعكاسًا لعمل مؤسسي حقيقي وثقافة راسخة.
ثقافة الجودة… مسؤولية مشتركة
إن بناء ثقافة الجودة يبدأ بقيادة تؤمن بالتطوير، وتشجع المشاركة، وتعتمد على البيانات في اتخاذ القرار، وتدعم التحسين المستمر، كما يتطلب مشاركة أعضاء هيئة التدريس، والإداريين، والطلاب، باعتبارهم شركاء في تحقيق رسالة المؤسسة.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن المؤسسات التي تنجح في ترسيخ ثقافة الجودة هي الأكثر قدرة على التطوير والابتكار، لأنها تنظر إلى الجودة باعتبارها عملية مستمرة، لا ترتبط بموعد أو إجراء محدد.
من الاعتماد إلى التميز
يمثل الاعتماد الأكاديمي محطة مهمة في مسيرة المؤسسة التعليمية، لكنه ليس نهاية الطريق، فالجامعات المتميزة لا تكتفي بالحصول على الاعتماد، بل تستثمر نتائجه في تطوير الأداء، وتحسين الخدمات التعليمية، وتعزيز البحث العلمي، ورفع كفاءة الموارد البشرية.
ولهذا، فإن الجودة الحقيقية لا تبدأ عند زيارة فريق المراجعة، بل تبدأ منذ اللحظة التي تصبح فيها ثقافة العمل قائمة على التعلم المستمر، والتقييم الذاتي، والبحث عن فرص التحسين في كل تفاصيل المؤسسة.
الجودة… استثمار في المستقبل
في ظل التحول الرقمي والتغيرات المتسارعة التي يشهدها التعليم العالي، أصبحت الجودة عنصرًا أساسيًا في بناء جامعات أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل، فالمؤسسات التي تستثمر في بناء ثقافة الجودة اليوم، هي التي ستقود الابتكار غدًا، وستكون الأقدر على تقديم تعليم يواكب احتياجات المجتمع وسوق العمل.
فالجودة ليست عبئًا إداريًا، ولا مجموعة من الإجراءات الروتينية، وإنما استثمار طويل الأمد في الإنسان، وفي المؤسسة، وفي المستقبل.
رأي مجلة جودة
إن بناء ثقافة الجودة لم يعد خيارًا أمام مؤسسات التعليم العالي، بل أصبح ضرورة تفرضها متطلبات التطوير، وتسارع المعرفة، واحتياجات المجتمع. فالاعتماد يمثل شهادة على مستوى الأداء في مرحلة معينة، أما ثقافة الجودة فهي الضمان الحقيقي لاستمرار هذا الأداء وتطويره.
رسالة مجلة جودة
قد يمنح الاعتماد المؤسسة شهادة، لكن ثقافة الجودة هي التي تمنحها القدرة على الاستمرار، والابتكار، وصناعة مستقبل أكثر تميزًا.
مصادر يمكن الرجوع إليها
– منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) – ضمان الجودة في التعليم العالي.
– منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) – جودة التعليم العالي والتحسين المستمر.
ـ الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد (NAQAAE).










