عقدت منصة جودة ورشة عمل متخصصة بعنوان «مرحلة الجاهزية للتقدم والاعتماد المؤسسي والبرامجي – تحديات وحلول»، على مدار يومي 5 و7 سبتمبر 2026، بهدف دعم مؤسسات التعليم العالي في قياس مستوى جاهزيتها الفعلية للتقدم للاعتماد، والتعرف على أبرز الفجوات والتحديات التي قد تواجهها، إلى جانب مناقشة الحلول والممارسات التي تساعدها على معالجة نقاط الضعف قبل التقدم الرسمي لزيارات الاعتماد الميدانية.

وأتاحت المنصة الموعد الثاني للورشة يوم 7 سبتمبر أمام أعضاء هيئة التدريس والمتخصصين والمهتمين بملفات الجودة والاعتماد ممن تعذر عليهم حضور الموعد الأول، بما وسّع نطاق المشاركة في مناقشات الورشة ومحتواها العلمي، حيث بلغ إجمالي المشاركين نحو 200 عضو من قيادات وأعضاء المجتمع الأكاديمي ومسؤولي مراكز ووحدات ضمان الجودة والمراجعين والخبراء والمهتمين بملفات الاعتماد، بمشاركة ممثلين عن عدد من الجامعات والمؤسسات التعليمية، إلى جانب مشاركين من قطاعات وتخصصات أكاديمية متنوعة.

وقدّم الورشة الدكتور يحيى الصامولي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة جودة، مستعرضًا فلسفة قياس الجاهزية للاعتماد باعتبارها عملية تشخيصية وتطويرية لا تقتصر على رصد نسب استيفاء المعايير، وإنما تستهدف اكتشاف الفجوات بصورة مبكرة، وتحويل نتائج القياس إلى إجراءات تحسين قابلة للتنفيذ قبل الوصول إلى مرحلة التقييم الميداني.

وشرح الصامولي خلال الورشة آلية عمل أداة «مؤشر جاهزية الاعتماد»، موضحًا أن الأداة تستند إلى منهجية إحصائية وفنية في تحديد الأوزان النسبية لمحاور التقييم، وفق عدد العناصر والأسئلة المشتقة داخل كل محور مقارنة بإجمالي معايير التقييم، بما يساعد على الوصول إلى قراءة أكثر دقة لمستوى الجاهزية، انطلاقًا من قاعدة «مدخلات دقيقة = نتائج صحيحة».
وتناولت المناقشات سلمًا خماسيًا لتقييم الأدلة ومستوى استيفاء كل عنصر، يبدأ من صفر عند عدم وجود الدليل، ثم درجة واحدة عند بدء الإعداد، ودرجتين عندما يكون الدليل قيد الإعداد، و3 درجات عند الاستيفاء الجزئي، و4 درجات عند الاستيفاء بدرجة كبيرة، وصولًا إلى 5 درجات عند اكتمال العنصر وجاهزيته ووجود توثيق له بنسبة 100%.
وحددت الأداة مستويات الجاهزية وفق النتائج التي يتم التوصل إليها، حيث تبدأ مرحلة «قيد التقدم» من 60%، بينما تمتد الجاهزية المتقدمة إلى نطاق 75–78%، وتصل الجاهزية المتميزة إلى 90% فأكثر، مع التأكيد على أهمية عدم التسرع في طلب الزيارة الرسمية للاعتماد قبل الوصول إلى مستوى متقدم أو متميز، بما يحد من احتمالات عدم استيفاء المتطلبات خلال الزيارة، ويحمي المؤسسة من إهدار الموارد والجهد في مرحلة غير مكتملة الاستعداد.
وكشف الصامولي خلال شرحه عن أهمية التمييز بين الجاهزية الفعلية والجاهزية الشكلية، موضحًا أن وصول المعايير الأساسية أو المؤسسية والبرامجية إلى نسب مرتفعة، مثل 85% أو 90%، مع انخفاض محاور دعم الجودة أو ثقافة الجودة إلى مستويات تتراوح بين 20% و30%، يمثل مؤشرًا إحصائيًا وفنيًا على وجود خلل في مدخلات التقييم، وقد يعكس وجود وثائق مكتوبة لا يقابلها تطبيق حقيقي أو وعي مؤسسي أو دعم إداري ولوجستي كافٍ.
وأكد أن التباين بين ارتفاع نسب الوثائق والانخفاض الحاد في ثقافة الجودة والدعم اللوجستي يمثل دلالة على كتابة الورق دون ممارسة حقيقية ببيئة العمل، مشددًا على أن قيمة القياس لا تتحقق إلا عندما تعكس البيانات المقدمة الواقع الفعلي للمؤسسة، وهو ما يجعل صدق ودقة المدخلات أساسًا لصحة النتائج والقرارات المبنية عليها.
وناقشت الورشة كذلك طبيعة العلاقة بين منصة جودة والهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، حيث جرى التأكيد على أن منصة جودة تعمل من خلال فريق استشاري وتطويري مستقل، بينما تختص الهيئة القومية بضمان جودة التعليم والاعتماد بتقييم واعتماد المؤسسات والبرامج التعليمية، ولا يتعلق اختصاصها باعتماد الأدوات أو المنصات التدريبية، في حين خضعت أداة قياس الجاهزية للمراجعة من جانب خبراء ومراجعين متخصصين ومعتمدين دعمًا لموثوقيتها الفنية.
وتطرقت المناقشات إلى الضوابط المنظمة لاستخدام الأداة والبيانات الناتجة عنها، حيث أكدت منصة جودة عدم السماح بالتجريب الفردي أو غير الرسمي باسم الكليات والجامعات، مع اشتراط تقديم خطاب رسمي من عميد الكلية أو رئيس المؤسسة للراغبين في اختبار الأداة، بما يضمن رسمية التعامل مع البيانات والحفاظ على سريتها، فضلًا عن منع الاستخدام العشوائي للمؤشرات والتقارير الناتجة عن التقييم.
وأثارت الدكتورة رحاب الشرقاوي خلال مداخلتها جانبًا جوهريًا في منظومة الجودة، مؤكدة أن الجودة «ممارسة حقيقية وإدراك وليست مجرد جمع وثائق ودورات تدريبية»، ومشيرة إلى أن وعي أعضاء هيئة التدريس بأدوارهم ومسؤولياتهم يمثل أحد المرتكزات الأساسية لنجاح منظومة الجودة والاعتماد واستدامتها.
وأوضحت الدكتورة بشرى مسعد عوض، الأستاذ المساعد بكلية علوم الرياضة والمراجع الخارجي بالهيئة، ومسؤول قطاع العلوم الإنسانية بمركز ضمان الجودة بجامعة الإسكندرية، أهمية تحويل نتائج قياس الجاهزية إلى تقارير تفصيلية يستفيد منها متخذو القرار، وفي مقدمتهم رؤساء الجامعات والعمداء، بما يسمح بتحديد مواطن الضعف وترتيب أولويات التدخل وربط تحليل الفجوات بخطط تنفيذية ومالية واضحة لمعالجة جوانب القصور قبل التقييم الميداني.
وشارك عدد من الحضور في إثراء النقاشات الفنية، من بينهم الدكتورة نهال، والدكتورة إيمان لطفي، والدكتورة هدير محمد، من خلال تساؤلات تناولت آليات توزيع الأوزان النسبية للأسئلة والعناصر، وضمان الشفافية والأمانة عند إدخال البيانات، وإمكانية تخصيص الأداة وفق طبيعة الكليات والقطاعات والتخصصات الأكاديمية المختلفة.
وأبرزت الورشة البعد التطبيقي لنتائج الأداة، من خلال توظيف تحليل الفجوات في بناء خطط تحسين تستند إلى بيانات ومؤشرات واضحة، بما يساعد المؤسسات على تحديد أولوياتها وتوجيه مواردها نحو نقاط الضعف الأكثر تأثيرًا، فضلًا عن دعم التخطيط التنفيذي والمالي والحد من الهدر الإداري والمالي الناتج عن التقدم المبكر لزيارات الاعتماد قبل استكمال الجاهزية المطلوبة.

ودعمت الأداة توجهات التحول الرقمي والحوكمة في إدارة الجودة، من خلال نقل عمليات قياس الجاهزية من الأساليب التقليدية إلى نظام رقمي يساعد على تنظيم البيانات وتحليلها وإنتاج مؤشرات وتقارير يمكن الاستناد إليها في التخطيط والمتابعة واتخاذ القرار والتحسين المستمر، مع الالتزام بضوابط الرسمية والسرية في التعامل مع بيانات المؤسسات.
واختتمت الورشة بالتأكيد على استكمال التجهيزات الفنية للأداة تمهيدًا لإتاحتها عبر مجموعات التواصل والتنسيق المعتمدة، مع استمرار استقبال الملاحظات والتغذية الراجعة من خبراء الجودة ومراكز ضمان الجودة، بهدف تطوير الأداة وتخصيصها بما يتناسب مع الاحتياجات العملية لمختلف المؤسسات والقطاعات التعليمية.
وتعكس الورشة توجه منصة جودة نحو تحويل الجاهزية للاعتماد من تقدير انطباعي إلى عملية قابلة للقياس والتحليل والتطوير، بما يساعد مؤسسات التعليم العالي على اكتشاف فجواتها قبل التقدم للاعتماد، وبناء خطط تحسين واقعية، وتعزيز ثقافة الجودة والممارسة المؤسسية، وصولًا إلى جاهزية أكثر استدامة وقدرة على استيفاء متطلبات الاعتماد.















