طرح الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، رؤية لتطوير معايير تقييم أداء الجامعات على المستوى الدولي، داعيًا إلى تجاوز الاعتماد الكامل على المؤشرات التقليدية للتصنيفات العالمية، وتوسيع نطاق التقييم ليشمل الأثر الحقيقي للجامعات في مجتمعاتها، ومدى إسهامها في تعزيز الثقة في العلم، وتنمية التفكير النقدي، ودعم الأبحاث الأساسية طويلة الأجل، والاستجابة للتحديات المجتمعية.

وأكد رئيس جامعة القاهرة أن التصنيفات الدولية، وأعداد الأبحاث المنشورة، والاستشهادات العلمية، وحجم التمويل البحثي، تمثل مؤشرات مهمة لقياس جوانب من الأداء الأكاديمي والبحثي، لكنها لا تعكس بمفردها القيمة الحقيقية للجامعات ورسالتها وتأثيرها في المجتمع، مشددًا على أن نجاح الجامعة لا يقاس فقط بما تنتجه من أبحاث ومعارف، وإنما بقدرتها على توظيف المعرفة في تحسين حياة الإنسان والإسهام في بناء مستقبل أفضل للمجتمعات.
جاء ذلك خلال مشاركة الدكتور محمد سامي عبد الصادق في فعاليات المنتدى العالمي للعلوم والتكنولوجيا في المجتمع (STS Forum 2026)، الذي تستضيفه مدينة كيوتو اليابانية خلال الفترة من 4 إلى 6 أكتوبر 2026، بمشاركة الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والوفد المرافق له، والذي يضم الدكتور هاني هلال، رئيس مجلس أمناء الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، والدكتور ولاء شتا، الرئيس التنفيذي لهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، والدكتورة غادة عبد الباري، رئيس قطاع الشئون الثقافية والبعثات وأمين مجلس شئون فروع الجامعات الأجنبية، إلى جانب نخبة من الوزراء ورؤساء الجامعات العالمية والمؤسسات البحثية وكبار العلماء والخبراء وقيادات الشركات والمؤسسات التكنولوجية من مختلف دول العالم، ومن بينهم 12 من الحاصلين على جوائز نوبل.

ويناقش المنتدى التحولات المتسارعة في مجالات العلوم والتكنولوجيا وانعكاساتها على مستقبل المجتمعات، ودور المؤسسات العلمية والأكاديمية في التعامل مع هذه التحولات والاستجابة للتحديات العالمية.
وشارك رئيس جامعة القاهرة في الاجتماع الدولي لرؤساء الجامعات (University Presidents’ Meeting)، الذي عُقد بمركز كيوتو الدولي للمؤتمرات تحت عنوان «إعادة تشكيل دور الجامعات في المعرفة والتميز والابتكار والتأثير المجتمعي في عالم متغير»، بمشاركة عدد من قيادات الجامعات العالمية، لمناقشة مستقبل المؤسسات الجامعية، وسبل تحقيق التوازن بين التميز الأكاديمي والبحثي والاستجابة للاحتياجات المجتمعية، إلى جانب تطوير نماذج الحوكمة والتعاون والتمويل بما يتناسب مع التحولات العالمية المتسارعة.
وجاءت مشاركة رئيس جامعة القاهرة ضمن إحدى مجموعات النقاش الرئيسية بالاجتماع، والتي ضمت رؤساء وقيادات جامعات تسوكوبا وصوفيا وريتسوميكان اليابانية، وثاماسات التايلاندية، وليوبليانا السلوفينية، ودورهام البريطانية، ومونتريال الكندية، وييل الأمريكية، وويتواترسراند بجنوب إفريقيا.
وتناولت المناقشات سبل تحقيق الجامعات للتوازن بين التوقعات المتزايدة بشأن إحداث تأثير مجتمعي ملموس وقابل للقياس، وبين رسالتها الأكاديمية الأساسية المتمثلة في دعم الأبحاث العلمية الأساسية وإنتاج معارف جديدة.
وأكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، خلال المناقشات، أن البحث العلمي الأساسي طويل الأجل وخدمة المجتمع لا يمثلان هدفين متعارضين، وإنما يكمل أحدهما الآخر، مشيرًا إلى أن إخضاع جميع الأبحاث لمعيار العائد المجتمعي الفوري قد يؤدي إلى إغفال قيمة الأبحاث الأساسية التي تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تظهر نتائجها أو تتضح تطبيقاتها.
وطرح رئيس جامعة القاهرة تساؤلًا حول فلسفة تقييم الجامعات، موضحًا أن الاعتماد على التصنيفات الدولية، وأعداد الأبحاث المنشورة، والاستشهادات العلمية، وحجم التمويل البحثي، رغم أهميتها في قياس جوانب محددة من الأداء الأكاديمي والبحثي، لا تقدم صورة متكاملة عن رسالة الجامعة ومسؤوليتها تجاه المجتمع.
وأشار إلى وجود أبعاد أساسية في رسالة الجامعات يصعب اختزالها في مؤشرات رقمية، من بينها مدى إسهامها في تعزيز ثقة المواطنين في العلم، وترسيخ ثقافة التفكير النقدي والمواطنة المسؤولة، فضلًا عن القيمة العلمية للأبحاث الأساسية طويلة الأجل، التي قد لا تحقق عوائد اقتصادية أو نتائج تطبيقية فورية، لكنها يمكن أن تمثل الأساس لاكتشافات علمية كبرى تُحدث تحولات جوهرية في حياة البشرية بعد سنوات.
ثلاث أولويات لمستقبل الجامعات
حدد الدكتور محمد سامي عبد الصادق ثلاث أولويات رئيسية لتطوير منظومة التعليم العالي عالميًا، جاءت في مقدمتها حماية الأبحاث الأساسية طويلة الأجل، مؤكدًا أن استجابة الجامعات للاحتياجات العاجلة للمجتمع يجب ألا تأتي على حساب الأبحاث العلمية بعيدة المدى، حتى في الحالات التي لا تظهر فيها القيمة الاقتصادية المباشرة لهذه الأبحاث في الوقت الراهن، باعتبارها استثمارًا في مستقبل المعرفة والابتكار.
وتتمثل الأولوية الثانية في إعادة بناء وتعزيز الثقة بين العلم والمجتمع، حيث أوضح أن مسؤولية الجامعات لا تتوقف عند إنتاج المعرفة ونشر نتائج الأبحاث، وإنما تمتد إلى تمكين أفراد المجتمع من فهم العلوم وتطبيقاتها والاستفادة منها بصورة واعية ومسؤولة، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب، وتنمية قدراتهم على التفكير النقدي والتمييز بين المعرفة العلمية الموثوقة والمعلومات غير الدقيقة.
وتتعلق الأولوية الثالثة بـتطوير نظم الحوكمة الجامعية وجعلها أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة، بما يمكّن المؤسسات الأكاديمية من الاستجابة بصورة أسرع للتحديات العلمية والتكنولوجية والمجتمعية، مع الحفاظ على استقلالها المؤسسي وقيمها الأكاديمية الراسخة، وتحقيق التوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على جوهر الرسالة الجامعية.
مقترح لتقييم سنوي للأثر المجتمعي للجامعات
وقدم رئيس جامعة القاهرة مقترحًا عمليًا لتطوير آليات تقييم الجامعات، دعا خلاله إلى أن تتبنى الجامعات، إلى جانب مؤشرات الأداء والتصنيفات الدولية المعمول بها، تقييمًا سنويًا لإسهاماتها الفعلية في المجتمع.
وأوضح أن هذا التقييم المقترح لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام المتعلقة بالنشر العلمي والتمويل، وإنما يمتد إلى قياس التأثير الحقيقي للجامعة في محيطها المجتمعي، وما تضيفه من قيمة علمية وإنسانية وتنموية، بما يقدم صورة أكثر شمولًا عن أداء المؤسسة الجامعية ورسالتها.
وشدد الدكتور محمد سامي عبد الصادق على أن تطوير معايير تقييم الجامعات لا يعني التقليل من أهمية التصنيفات العالمية أو مؤشرات التميز البحثي، وإنما يستهدف استكمالها بأبعاد نوعية أكثر ارتباطًا برسالة الجامعة وتأثيرها في حياة الإنسان، بما يحقق توازنًا بين التميز الأكاديمي والمسؤولية المجتمعية، وبين النتائج قصيرة الأجل والاستثمار العلمي طويل المدى.
واختتم رئيس جامعة القاهرة بالتأكيد على أن نجاح الجامعات لا ينبغي أن يقاس فقط بما تنتجه من أبحاث ومعارف، وإنما أيضًا بما تقدمه من إسهامات حقيقية في تطوير المجتمع وتحسين حياة الناس، موضحًا أن الجامعات مطالبة بالمشاركة في حل مشكلات الحاضر دون التضحية باكتشافات المستقبل، وأن تحقيق نتائج مجتمعية سريعة يجب ألا يأتي على حساب الأبحاث الأساسية طويلة الأجل التي تمثل ركيزة لمستقبل العلم والمعرفة والابتكار.













